أحجار على رقعة الشطرنج: كشف الأسرار المظلمة: مواجهة بين الأب والابن في قضية الاغتصاب الغامضة
بدأ عليّ يتمشى ذهابًا وإيابًا وعقله يصارع لربط النقاط المتناثرة في هذه القضية المعقدة. كلمات أبو خالد عن المزرعة ، ورسالة زهراء المؤلمة التي كشفت عن فظاعة ما حدث، في مزرعتهم .
كل هذه التفاصيل المتضاربة كانت تشير بوضوح إلى وجود سر أعمق وأكثر إيلامًا. فجأة، لمعت في ذهنه ذكرى قديمة، صورة عودة سليم إلى المنزل قبل شهر. كان ابنه شاحب الوجه، مضطربًا بشكل
ملحوظ، وكأن كارثة حقيقية قد حلت به خلال رحلته الأخيرة.
توقف عليّ فجأة عن الحركة، وقد اتخذ قراره الحاسم. لقد حان الوقت لكشف الحقيقة كاملة، ومواجهة ابنه سليم بالأدلة المتزايدة. ضغط على زر الاتصال الداخلي وطلب من الخادمة أن تنادي سليم إلى
مكتبه على الفور عندما يعود ليذهب إلى مكتبه الفخم ينتظره هناك لأنه عازل للصوت .
بعد لحظات عصيبة من الانتظار، دخل سليم إلى المكتب. كانت آثار الإرهاق والقلق الدائم الذي لازمه منذ عودته من حوران واضحة على وجهه الشاحب وعينيه المتعبتين.
“سليم، اجلس يا بني. أريد أن أتحدث معك بخصوص رحلتك الأخيرة إلى المزرعة في حوران.” قال عليّ بنبرة هادئة لكنها تحمل إصرارًا خفيًا، وعيناه الثاقبتان تخترقان نظرات ابنه المتوترة.
تردد سليم للحظة وجيزة، ثم جلس على الكرسي الجلدي المقابل لوالده، وعيناه تتجنبان نظراته الفاحصة.
“ماذا هناك يا أبي؟” سأل سليم بصوت خافت، يكاد لا يُسمع.
“أريد أن أعرف بالضبط ما الذي حدث هناك يا بني. لقد عدت إلى المنزل مختلفًا تمامًا، وكأن شيئًا سيئًا للغاية قد وقع خلال تلك الزيارة.”
تنهد سليم بعمق، وفرك جبهته بيده بعصبية واضحة. “لا شيء مهم يا أبي. بعض المشاكل الروتينية في إدارة المحاصيل… لقد تم حلها بالفعل.”
لم يقتنع عليّ بالإجابة المقتضبة والغير مقنعة التي قدمها ابنه. “سليم، أنا والدك. أعرف متى تخفي عني شيئًا. هناك شيء آخر تخفيه، أليس كذلك؟ شيء أكثر أهمية من مجرد مشاكل في الزراعة.”
صمت سليم طويلًا، وتجنب النظر إلى والده. أخيرًا، رفع عينيه المثقلتين بالندم والارتباك إلى عليّ وقال بصوت منخفض: “حسنًا يا أبي… هناك شيء حدث بالفعل… شيء لا أستطيع حتى أن أفهمه بشكل كامل.”
بدأ سليم يروي لوالده بتلعثم ما حدث في تلك الليلة المشؤومة في المزرعة. حكى عن شعوره المفاجئ بالدوار والغثيان، وعن حالة الهذيان الغريبة التي سيطرت على وعيه وجعلته يفقد السيطرة على
أفعاله.
وصف الصحوة المفاجئة في صباح اليوم التالي والصداع الحاد الذي كان يمزق رأسه، والفوضى الغريبة التي كانت تعم الصالة الرئيسية في المنزل. تحدث عن الفتاة الغامضة التي أخبره الحراس أنها
غادرت في الصباح الباكر، وعن محاولاته الفاشلة لتذكر أي تفاصيل واضحة عن تلك الليلة المريبة.
بينما كان سليم يتحدث بصوت مهزوز، كان عليّ يستمع بتركيز شديد، وقلبه ينقبض بألم وغضب متزايدين. بدأت الصورة تتضح أمامه شيئًا فشيئًا، لتكشف عن خيوط جريمة شنيعة ومؤامرة محتملة.
عندما أنهى سليم روايته المقتضبة والمضطربة، ساد صمت ثقيل في المكتب. نظر عليّ إلى ابنه بعينين تحملان مزيجًا معقدًا من الصدمة والغضب والحزن العميق.
“يا بني… هل تدرك خطورة ما تقوله؟ هل تستوعب تمامًا ما الذي فعلته أو ما الذي حدث في مزرعتنا في تلك الليلة؟” سأل عليّ بصوت منخفض لكنه كان يحمل عاصفة من المشاعر المكبوتة.
هز سليم رأسه بأسى واضح وقال: “نعم يا أبي، أعلم. بعد أن استيقظت ورأيت آثار الفوضى الغريبة، استفسرت على الفور من الحراس، وأخبروني عن مغادرة فتاة في الصباح الباكر.
سألتهم عن هويتها، لكنهم لم يتمكنوا من التعرف عليها، فقد كانت تغطي وجهها بالكامل.
تسجيلات كاميرات المراقبة الموجودة في الصالة الرئيسية كانت معطلة في تلك الليلة المشؤومة.
أمرت الحراث بالبحث في محيط المزرعة، لكنه لم يعثر على أي أثر لها بعد خروجها. حققت مع جميع الخدم الموجودين في المنزل وقتها، وراقبتهم لفترة طويلة للتأكد من عدم تورطهم في أي شيء، لكنني لم أصل إلى أي نتيجة ملموسة.
اختفاء الفتاة كان غريبًا حقًا، خاصة أنها دخلت وخرجت دون أن يتمكن أحد من التعرف عليها.” قال سليم بنبرة مضطربة، يعكس الحيرة والقلق العميقين اللذين انتاباه بعد ذلك الصباح المشؤوم، دون أن
يعلم الحقيقة المرة التي تنتظره.
“سليم… تلك الفتاة… اسمها زهراء.” قال عليّ بنبرة ثقيلة، وعيناه تراقب ردة فعل ابنه بعصبية.
تجمدت تعابير وجه سليم للحظة، ثم ارتسمت عليه علامات الحيرة والدهشة. “زهراء؟ من زهراء؟”
أجاب عليّ ببطء ووضوح: “حفيدة أم خالد… صديقة والدتك الراحلة. والفتاة الآن هنا… في بيتنا.”
انتفض سليم من مكانه فجأة، وعيناه تشتعلان بالغضب. “ماذا تفعل هنا؟ كيف تجرؤ على إدخالها إلى هذا المنزل؟ سأقتلها!”
نهره عليّ بصوت حازم: “توقف عن هذا الهراء يا سليم! هي ضحية مثلك تمامًا. لقد تم تخديرها وتغيير ملابسها لتزيد رغبتك تجاهها وأنت فاقد للوعي.”
تراجع سليم خطوة إلى الوراء، وعلامات الارتباك والذهول بادية عليه. “لماذا هربت إذن؟ لو كنت واعيًا لما تخليت عنها أبدًا.”
أجاب عليّ بأسى: “لقد خافت من الفضيحة يا بني. وفي مجتمعنا، وصمة العار تلاحق الضحية قبل الجاني. وبالتأكيد الفتاة تعرفك، فقد استيقظت قبلك.”
تنهد سليم بعمق، وبدأ يستوعب هول ما يسمع. “هذا أكيد… لقد استيقظت قبلي ورأتني…” ثم سأل بفضول وقلق: “وكيف وصلت إلى هنا؟”
قصّ عليه عليّ قصة زهراء الموجعة: خوفها من الفضيحة، حملها غير المقصود، خيانة صديقتها، وهربها إلى دمشق. ثم شرح له كيف التقت بها حنان بالصدفة، وكيف أثار الشبه بأم خالد شكوكهما،
وكيف قادهما الفضول إلى معرفة قصتها من حوران. وأخيرًا، أخبره عن رسالة جدها التي وصلت للتو.
مدّ عليّ الهاتف إلى سليم. “اقرأ هذه الرسالة يا بني. ستتجمع الأفكار في رأسك.”
أخذ سليم الهاتف بيد مرتعشة وبدأ يقرأ الكلمات المكتوبة، وعيناه تتنقلان بسرعة بين السطور. كل كلمة كانت بمثابة طعنة في قلبه.
عندما انتهى من القراءة، رفع رأسه ونظر إلى والده بعينين يملؤهما الألم والضياع. “وماذا سنفعل الآن يا أبي؟ هل تتخيل كمية الكره الذي تشعر بها تجاهي؟”
وضع عليّ يده على كتف ابنه بحنان. “سأشرح لها كل ما توصلنا إليه. سأخبرها أنك كنت ضحية مثلها، وأنك لم تكن في وعيك. وبعد ذلك… سأطلب منك أن تدخل وتتحدث معها بنفسك.”



