أحجار على رقعة الشطرنج : ليلة الاعترافات المدوية
عندما حل المساء، خرج عليّ والإرهاق بادياً على وجهه، لكن عينيه تشتعلان بشرارة العزيمة. وجد سليم لا يزال بجانب زهراء، يمسك بيدها بهدوء. اقترب عليّ منهما وقال بنبرة واثقة: هناك شخص
آخر يقف وراء كل هذا، لذلك يجب أن تهتموا بأدق التفاصيل.”
ثم نظر إلى زهراء مباشرة وقال: “أعلم أن هذا سيتعبك يا ابنتي، ولكن أريد منك أن تتذكري جيدًا. هل يوجد شيء آخر لم تكتبيه في الرسالة التي تركتيها لجدك؟ أي شيء صغير قد يكون مهمًا؟”
هزت زهراء رأسها ببطء، وعيناها مثبتتين على يدي سليم الممسكة بيدها. “لا أبداً… كتبت له كل شيء… كل التفاصيل التي أتذكرها.”
تنهد عليّ وأمسك بنسخة الرسالة التي أرسلها أبو خالد. بدأ يقرأ بصوت عالٍ واضح، وكل كلمة تتردد في صمت الغرفة الثقيل. ظهرت انفعالات الغضب والحزن على وجه كل من سليم وزهراء وهما
يستمعان إلى الكلمات المؤلمة. شعر سليم بجسد زهراء ينتفض قليلًا، وبدأت شهقاتها المكتومة تعلو. كاد سليم يطلب من والده التوقف، لكن في تلك اللحظة، ضغطت زهراء على يده بوهن.
“الوقت ليس في صالحنا،” قال عليّ فجأة، ونبرته تحمل معنى خفيًا فهمه سليم على الفور. كان والده قد وصل إلى معلومة جديدة و أكمل القراءة:
“عندما كتبت زهراء لجدها، طلبت من نور أن تساعدني للتخلص من الجنين… ولكنها فضحتني… وهي متأكدة من أنني تعرضت للاغتصاب… لقد رأيت نظرات الشماتة بعينيها للمرة الأولى… ااه يا
جدي كم كنت غبية… وأنا أعتبرها أختي…”
ضمّ سليم زهراء إلى صدره بحنان، يمسح على شعرها برفق. “من نور يا زهراء؟ من هذه الفتاة؟”
أجابت زهراء بصوت خافت مرتعش: “جارتنا… في حوران.”
هنا، تدخل عليّ بنبرة مختلفة، أكثر جدية وإلحاحًا. “ليس هكذا فقط. نظر إلىه كل من سليم وزهراء بتركيز. “نور… نور هي ابنة إحدى خادماتنا اللواتي كن يعملن في مزرعتنا في حوران
قبل سنوات.”
اتسعت عينا سليم بالصدمة والاستيعاب المفاجئ. “إذًا… نور لها يد بكل ما حصل؟”
أجاب عليّ بجدية: “ليست بمفردها يا بني. الذي خطط لكل هذا… شخص ماكر وخبيث، استغل نور لتحقيق أهدافه.”
قالت زهراء بصوت خافت، يملؤه الذهول والألم: “كيف يمكن أن يكون لنور يد في ذلك؟ لماذا تفعل هذا بي؟”
أكمل سليم، وعلامات الغضب والتحليل الدقيق بادية على وجهه: “لقد حققت مع كل خادماتنا اللواتي عملن في تلك المزرعة في حوران، ومع كل الحراس الذين كانوا يعملون في تلك الفترة.
راقبتهم لمدة شهر كامل، بحثًا عن أي دليل ولم أجد والشخص الذي أدخلكِ إلى المزرعة بدون أن يراك الحراس يعرف المزرعة جيدًا، يعرف مداخلها ومخارجها الخلفية.
وكذلك تعطيل كاميرات المراقبة في الصالة الرئيسية في ذلك اليوم ، واختيار وقت لا يتواجد فيه أغلب الخدم في المزرعة… كل هذه التفاصيل تشير إلى تخطيط دقيق ومعرفة مسبقة.”
“ولكن من وضع لي المخدر والمنشط الجنسي؟!” تساءل سليم بصوت عالٍ، يعكس حيرته وغضبه المتصاعد.
أجابه عليّ بجدية: “الشخص الذي وضع لك المنشطات، والذي أدخل زهراء إلى القصر، والذي بدل ملابسها… هو نفس الشخص، ولكن بمساعدة طرف آخر.”
قالت زهراء بصوت مرتعش: “نور…”
“لماذا نور؟” سألها عليّ مباشرة.
أجابت زهراء بتفكير: “نور ممرضة… وبالمؤكد تعلم تأثير المنشطات والأدوية الأخرى. وغير ذلك… نور تتابع موضة اللانجري بطريقة غريبة، لديها هوس بها.” صمتت زهراء للحظة، تحاول تجميع أفكارها.
“هل هناك شيء آخر؟” سألها سليم بهدوء.
تنهدت زهراء وقالت: “كانت نور تقول دائمًا أن كل رجل له نوع معين من النساء ينجذب إليهن، وأن على الأنثى أن تختار اللانجري والملابس التي تؤثر عليه.
والملابس التي كنت أرتديها عندما استيقظت… لم تكن لانجري عاديًا وحسب… كانت استفزازية.”
ضمها سليم إلى صدره أكثر، يشعر بالمرارة تغزو قلبه وقال . “نعم، ولكن كيف؟ ومن الذي ساعدها في فعل كل هذا؟”
صمتت زهراء وفركت يديها بتوتر. “لا تخافي يا زهراء، قولي كل ما لديكِ، حتى لو كانت مجرد شكوك،” شجعها سليم بلطف.
تنهدت زهراء بعمق وقالت: “يوجد شاب في الجامعة… كان يحبني ورفضته. وقد علمت بعد فترة أن نور تحبه… وعندما سألتها أنكرت فاعتقدت أنه بسبب الخجل… ولكن بعد ما حصل، ربما يكون
هذا سببًا لتنتقم مني. فبعد أن فضحتني، قالت لي بوضوح… ‘الآن لا يوجد شيء يميزك عني، سأجعلكِ منبوذة ويفضلني الجميع عليكِ’.”
“وكيف تعرفت عليه؟” سألها سليم بحدة.
أجابت زهراء بتفكير: “كانت تذهب لرؤيتي في الجامعة أحيانًا. فتعرفت عليه هناك ..”
“ومن هو ؟” استفسر سليم بفضول.
“شاب مغرور متكبر من عائلة معروفة في حوران اسمه وليد .” أجابت زهراء.
” الزعبي؟” سأل عليّ فجأة، وعلامات الدهشة والترقب بادية على وجهه.
ردت زهراء بدهشة: “نعم… كيف عرفت؟”
تنهد عليّ بحزن وانكسار: “يوجد ثأر قديم بيننا وبين عائلته. وهم من تسبب بمقتل ابني آدم وزوجته في حادث سيارة مدبر.”
في تلك اللحظة المشحونة بالاعترافات الصادمة والذكريات الأليمة، سمعوا طرقات خفيفة على باب المكتب. فتح الباب ببطء ودخلت حنان، وعلى وجهها نظرة قلقة وحنونة.
“هيا يا أعزائي لتناول الطعام،” قالت حنان بنبرة دافئة تحاول كسر حدة الجو. “بالمؤكد أنكم جميعًا لم تتناولوا شيئًا منذ الصباح. ولا تنسوا أن زهراء حامل، وهذا الضغط والإجهاد سيؤثر عليها وعلى
الجنين. يجب أن تهتم بصحتها.”
نظرت حنان إلى زهراء بعطف ، ثم إلى سليم وعليّ، وحاولت أن تبعث فيهم بعض الطمأنينة رغم ثقل الموقف. كان كلامها بمثابة تذكير بواقع جديد يفرض عليهم جميعًا مسؤوليات مضاعفة.
“أنتِ محقة يا حبيبتي،” قال عليّ وهو يومئ لحنان بامتنان، مقدرًا حكمتها وحرصها.
تقدمت حنان نحو زهراء وجلست بجانبها على الكنبة، ثم وضعت يدها برفق على يدها الباردة. “يا صغيرتي، أعلم جيدًا صعوبة ما تمرين به، إنه اختبار قاسٍ. ولكن يجب أن تكوني قوية يا ابنتي، ولا
تخافي أبدًا.
نحن جميعًا هنا معكِ، وسنقف بجانبكِ في كل خطوة. أنتِ الآن فرد من هذه العائلة .” ابتسمت لها حنان ابتسامة دافئة محاولة بث بعض الطمأنينة في قلبها المجروح.
في هذه اللحظة، وبينما كان يمسك بيد زهراء بإحكام، تحدث سليم بنبرة حازمة وعينين ثابتتين تنظران إليها مباشرة: “زهراء، غدًا… غدًا سنقوم بمراسم الزواج. وسأرسل أحدًا إلى حوران ليحضر جدكِ
إلى هنا، أريده أن يكون بجانبكِ.
هل تريدين أن يكون أحد آخر موجودًا؟ أي شخص آخر ترغبين في وجوده في هذا اليوم؟” كانت كلماته بمثابة وعد قاطع ودعم لا يتزعزع، يعلن عن مسؤوليته الكاملة تجاهها.
“هل نؤجل الموضوع قليلًا يا سليم؟” سألت حنان بنبرة قلقة، “أريد أن أحضر الترتيبات اللازمة، فزواجكما يستحق احتفالًا لائقًا.”
قاطعها سليم بحزم لكن بلطف: “لا يا أمي ، كل شيء سيكون على ما يرام، لا تقلقي . الأهم الآن هو زهراء وراحتها.”
“يا حبيبي،” قالت حنان وهي تنظر إلى سليم بعينين دامعتين، “أريد أن أحضر لزوجتك فستانًا مميزًا، وأن نقيم حفلًا صغيرًا ليعلم الجميع بزواجكما.”
ابتسم سليم لوالدته بحنان وقبل رأسها. “لا تقلقي يا أمي، سأهتم بكل شيء. الأهم الآن أن تكوني بجانب زهراء ولا تتركيها بمفردها، هي بحاجة إليكِ أكثر من أي شيء آخر.”
ثم أكملوا طريقهم بصمت نحو طاولة الطعام. ضمّ عليّ حنان إلى جانبه بحب وتقدير، بينما ضمّ سليم زهراء التي كانت تتشبث به بقوة، وكأنها طفلة صغيرة تجد الأمان في حضن والدها. تناولوا طعامهم
في جو يسوده الهدوء والمودة، وهو شعور جديد وغريب على قلب زهراء الذي طالما اشتاق إلى مثل هذا الدفء العائلي. بالغت حنان في الاهتمام بها، تقدم لها الطعام بنفسها وتطمئن عليها بين الحين
والآخر.
الفصل الثامن :أحجار على رقعة الشطرنج : تحمل المسؤولية والتحضير للزفاف



