ليالي بيروت المشتعلة : الخاضعة ديما

ليالي بيروت المشتعلة : الفصل الثاني عشر

ليالي بيروت المشتعلة  : الخوف من فقدان الثقة

تعامل الدكتور “ياسر” مع صدمة “أحمد” بهدوء حذر، يعرف طبيعة صديقه المتقلبة وميوله السادية التي لطالما حاول “أحمد” إخفاءها أو تبريرها.

“أحمد،” بدأ “ياسر” بصوت هادئ وعميق، “ما فعلته خطير جدًا، تجاوزت حدودًا لا يمكن التغاضي عنها. الحب ليس سجنًا ولا قيدًا، بل هو شعور بالاحتواء والأمان والتقدير. محاولتك فرض نفسك بالعنف كانت كارثية، وحولتها إلى ضحية لخوفك.”

توقف “ياسر” قليلًا ليمنح كلماتِه وزنًا أكبر، ثم أكمل: “أنت الآن تواجه نتيجة أفعالك. “ديما” مجروحة، ليس جسديًا فحسب، بل نفسيًا وروحانيًا. ثقتها بك اهتزت بعنف، وإعادة بنائها ستتطلب وقتًا وجهدًا وصبرًا جمًا… وربما لن تعود كما كانت أبدًا.”

أخذ “ياسر” نفسًا عميقًا قبل أن يقدم نصيحته: “الخطوة الأولى الآن هي منحها المساحة والأمان الذي تحتاج إليهما. لا تضغط عليها، لا تحاول تبرير ما فعلت، فقط كن موجودًا بصمت، لتثبت لها أنك لن تؤذيها مجددًا. دعها ترى في عينيك الندم الحقيقي، لا مجرد الخوف من فقدانها.”

أنهى “ياسر” كلامه بنبرة جادة: “الأمر الآن بيد “ديما”. قرار البقاء أو الرحيل هو قرارها وحدها، وعليك أن تحترمه مهما كان مؤلمًا لك.

إذا كانت تحبك حقًا، وقد تتمكن من مسامحتك يومًا ما، فسيكون ذلك بعد أن ترى تغييرًا حقيقيًا فيك، بعد أن تثبت لها بالأفعال لا بالأقوال أنك تستحق فرصة أخرى. تذكر يا أحمد، الحب الحقيقي هو التضحية والإنكار للذات من أجل سعادة الآخر، وليس إخضاعه بالقوة.”

قاطع “أحمد” صديقه بحدة: “ولكن يا ياسر، “ديما” تحب خضوعها لي. لم أؤذها سابقًا، بالعكس، هي طلبت ذلك مني.”

تنهد الدكتور “ياسر” بأسى: “يا أحمد، “ديما” رقيقة، تفتقد الحنان والاهتمام. ربما وجدت فيك نوعًا من القوة والحماية، وفسرت ذلك على أنه رغبة في الخضوع. لكن ما حدث اليوم تجاوز كل الحدود. الخضوع بالتراضي يختلف كليًا عن العنف والإهانة. لقد كسرت حاجز الأمان الذي ربما كانت تحاول بناءه معك.”

أضاف “ياسر” بجدية: “لا تخلط بين احتياجها للحب والرعاية وبين رغبة حقيقية في الأذى. ربما كانت تبحث عن شخص قوي يحميها، لكنك استغلت هذا الاحتياج بطريقة خاطئة ومدمرة. عليك أن تفهم الفرق الشاسع بين قوة الحماية وعنف التسلط.”

تنهد “أحمد” بأسى عميق: “أقسم لك يا ياسر، أنني نادم… أقسم أن خوفي من أن أفقدها جعلني أفقد السيطرة على نفسي للحظة جنون.”

رد “ياسر” بنبرة حازمة: “ولماذا أهنتها إذًا منذ الصباح يا أحمد؟”

اعترف “أحمد” بصوت خافت: “لقد حاولت إخضاعها… حاولت أن أختبر مدى تأثيري على شخصيتها… أردتها أن تحتاجني، أن تشعر بالأمان معي… أردت أن أكون ملجأها الوحيد. أقسم لك أنني أحب قوتها ورقتها وذكائها… أرجوك يا ياسر، لا تطلب مني أن أنفصل عنها… أرجوك، أنا مستعد لأي شيء سوا أن تبتعد عني.”

بينما كان “أحمد” يتوسل لصديقه عبر الهاتف، كانت “ديما” قد استيقظت بصمت، أوجاع جسدها تئن مع كل حركة. سمعت توسلاته المذلة، اعترافاته المتضاربة بالحب والعنف. لم تقاطع، لم تكشف عن استيقاظها، بل عادت إلى السرير ببطء، تلف جسدها المنهك في شرنقة من الألم والصمت، وعقلها يجتر كل ما عانته، وكل ما سمعته للتو. عالم كامل من الأفكار المتضاربة يتصارع داخل رأسها، تاركًا إياها في حيرة أشد من أي وقت مضى.

أنهى “أحمد” المكالمة مع الدكتور “ياسر”، وقلبه يعتصره خوف دفين من شبح الفقدان الذي يلوح في الأفق. دخل الغرفة بخطوات متثاقلة، ليجد “ديما” مستيقظة، عيناها تحدقان في الفراغ بجمود مؤلم.

اقترب منها بلهفة، لكنه توقف عندما رآها تضم جسدها بإحكام تحت الغطاء، وكأنها تبني بينهما حاجزاً.

انحنى يقبل رأسها برقة، همس بكلمات اعتذار متلعثمة، ثم نهض واتجه نحو خزانة الملابس. أخرج ثيابًا قطنية ناعمة ومريحة، وعاد ليحاول مساعدتها على ارتدائها. لكن “ديما” انكمشت مبتعدة، نظراتها تخلو من أي تعبير. لم يستسلم “أحمد”، كرر محاولته بلطف وتودد، يداعب ذراعيها برفق وهو يسحب الأكمام، يقبل الكدمات الزرقاء التي لطخت جسدها كأزهار ذابلة.

بعد أن انتهى  حملها برفق بالغ، وكأنها دمية زجاجية خشية أن تنكسر. وضعها على الأرجوحة المعلقة في شرفة الغرفة، ثم سارع إلى المطبخ ليحضر لها حساءً ساخنًا، علّ دفئه يعيد إليها بعض الحياة. لكن “ديما” أدارت وجهها شاحبًا، رافضة الطعام. قرص “أحمد” أنفها برقة متوسلة: “صغيرتي… أرجوكِ، فقط القليل من الحساء… أرجوكِ.”

أجابته “ديما” بصوت خافت يخلو من أي انفعال: “لا أريد شيئًا… فقط أريد العودة إلى المنزل.”

رد “أحمد” بلهفة مذعورة: “لا… هذا مستحيل. لن تذهبي.”

توسل “أحمد” بصوت مرتعش: “أرجوكِ يا “ديما”، اطلبي من أي من صديقاتك أن تأتي إلى هنا… أرجوكِ، لن أحتمل أن تكوني بمفردكِ في هذا الوضع. أرجوكِ يا صغيرتي، من سيعتني بكِ؟ أعلم أنني السبب في كل هذا، لكن أرجوكِ لا تجعلي الخوف يمزق قلبي. اطلبي من أي من صديقاتك أن تأتي إلى هنا.”

أجابته “ديما” بوجع وحزن عميق يظهر في نبرة صوتها: “وماذا أقول لهن؟ ماذا أفعل في منزلك؟ هل أنا… عاهرتك؟” لفظت كلماتها الأخيرة بمرارة وألم يخترق القلب.

أسرع “أحمد” بالرد، وكأنه وجد طوق النجاة في هذه الكلمات: “قولي… قولي إنني زوجكِ… وأننا تزوجنا لأن أهلكِ لن يسمحوا لنا قبل أن تنهي جامعتكِ. أرجوكِ يا حبيبتي، أقسم لكِ أنني جهزت كل شيء لكتب كتابنا، وكانت هذه مفاجأتي لكِ… أرجوكِ يا حبيبتي.”

تجمدت نظرات “ديما” عليه، وعيناها تفيضان بدموع لم تسقط بعد، لكنها تحرق وجنتيها. “لماذا؟” سألت بصوت خافت، بالكاد مسموع، لكنه يحمل في طياته عاصفة من الألم والتساؤلات.

نظر إليها “أحمد” باستغراب ودهشة: “لماذا ماذا يا حبيبتي؟” لم يفهم عمق سؤالها، كان عالقًا في محاولة إصلاح الضرر الظاهري، غافلًا عن الجرح العميق في روحها.

أعادت “ديما” السؤال ببطء، ومرارة تتصاعد في صوتها: “لماذا فعلت هذا بي يا أحمد؟ لماذا جعلتني أحلق في السماء، ثم كسرتني بهذه الطريقة؟ لماذا… هل أستحق هذا؟”

هز “أحمد” رأسه بنفي عنيف، وعيناه تفيضان بدموع الندم: “لا يا صغيرتي… أنتِ تستحقين كل الخير، وكل شيء جميل في هذا العالم. ولكن أنا… أنا وغد، وغبي، وأستحق كل اللوم. أقسم لكِ أنني خفت بشدة عندما قررتِ الذهاب… أقسم…”

قاطعته “ديما” بصوت واهن لكنه يحمل مرارة: “لا تقسم يا أحمد. منذ الصباح وأنت تفتعل المشاكل، وتعاملني بقسوة وإهانة.”

تسرع “أحمد” بالرد، وكأنه يتعلق بقشة: “أقسم لكِ أنني كنت أراوغ… كنت أريد أن أرى ردة فعلكِ، أن أتأكد من مشاعركِ. وأقسم لكِ أنني كنت أجهز لكتب كتابنا. إذا لم تصدقيني، انتظري فقط للساعة الرابعة مساءً، عندما يحضر الشيخ والشهود. أرجوكِ يا ملاكي… فرصة واحدة فقط.”

ارتسمت على وجه “ديما” ملامح تفكير عميق، وهي تربط خيوط الأفكار المتناثرة في ذهنها. كلمات الطبيب عن حاجتها للحنان والاهتمام، خوفها العميق من فقدان “أحمد” الذي اعترفت به لنفسها، وشعورها بالندم المرير على تجاوزها كل الحدود معه… كل ذلك اجتمع ليصنع قرارًا مترددًا في قلبها المجروح.

عاد وجلس بجانبها، يتوسل إليها بنبرة خافتة أن تأكل قليلًا. بدأ بإطعامها بملعقة صغيرة، لكن “ديما” كانت تتمنع، تمضغ الطعام ببطء شديد، وكأنها تتعمد استنزاف صبره. رغم جوعها الحقيقي، كانت تستمتع بمشاهدة قلقه وتوتره. استمر “أحمد” في محاولاته الدؤوبة، يلح عليها بلطف حتى تمكنت من تناول كمية جيدة من الفواكه وشربت العصير حتى آخر قطرة.

عندما انتهت، انحنى “أحمد” ليقبل شفتيها برقة، لكن “ديما” أدارت وجهها عنه ببرود، ثم حاولت أن تنهض من السرير، وكأنها تستجمع قواها للرحيل.

تظاهرت “ديما” بأن قدمها تؤلمها، وأطلقت أنينًا خافتًا. انحنى “أحمد” على الفور، أمسك قدمها برفق بالغ، وقبلها عدة قبلات متتالية، وكأنه يتوسل الصفح من عضو جرح بسببه. “ماذا تريدين يا عمري؟ استريحي، أنا أحضر لكِ كل شيء.”

أجابت “ديما” بصوت ضعيف: “أريد أن أذهب إلى الحمام.”

حملها “أحمد” بعناية فائقة، وسار بها إلى الحمام، ينتظر بصبر حتى انتهت. ساعدها لتغسل يديها برفق، ثم حملها مجددًا إلى غرفة النوم.

“أريد أن أنام”، قالت “ديما” بنبرة مرهقة.

رد “أحمد” بلهفة وخوف: “ولكن بقيت ساعة على قدوم الشيخ!”

نظرت إليه “ديما” ببرود يخفي وراءه عاصفة من المشاعر: “وهل تظن حقًا أنني أقبل الزواج بك بعد كل ما فعلته؟”

خيمت خيبة أمل ثقيلة على وجه “أحمد”. أدخلها غرفة النوم، ووضعها برفق على السرير، ثم غطاها بعناية وقبل جبينها قبلة حانية. حاول أن ينهض، لكن يد “ديما” أمسكت بذراعه بضعف.

“ابقَ بجانبي… فأنا خائفة.”

ارتسم شبح ابتسامة باهتة على وجه “أحمد”، امتزج فيها الألم بالأمل. انزلق بجانبها على السرير، يضمها بحذر، وقلبه يخفق بين الخوف والرجاء.

ظل “أحمد” ملازمًا لفراش “ديما”، لكن عينيه كانتا زائغتين، تنظران إلى شاشة هاتفه بين الحين والآخر، بينما أصابعه تتحرك بخفة تكتب رسائل لشخص ما. بدا عليه التوتر والقلق واضحًا، حركات عصبية لا تكاد تخفى.

“أريد أن أشرب”، همست “ديما” بصوت خافت.

انتفض “أحمد” فزعًا، وترك هاتفه ملقى على السرير، مسرعًا ليحضر لها الماء. وبينما كان يملأ الكوب في المطبخ، امتدت يد “ديما” المترددة نحو الهاتف. فتحت الشاشة التي لم تُغلق تمامًا، ووقعت عيناها على آخر محادثة بين “أحمد” والدكتور “ياسر”. قرأت كلماته المذعورة: “أرجوك ساعدني… تريد أن تذهب… إذا ذهبت سأخسرها للأبد.”

الفصل الثالث عشر :عندما يلوح شبح الرحيل