قاطع “أحمد” صديقه بحدة: “ولكن يا ياسر، “ديما” تحب خضوعها لي. لم أؤذها سابقًا، بالعكس، هي طلبت ذلك مني.”
تنهد الدكتور “ياسر” بأسى: “يا أحمد، “ديما” رقيقة، تفتقد الحنان والاهتمام. ربما وجدت فيك نوعًا من القوة والحماية، وفسرت ذلك على أنه رغبة في الخضوع. لكن ما حدث اليوم تجاوز كل الحدود. الخضوع بالتراضي يختلف كليًا عن العنف والإهانة. لقد كسرت حاجز الأمان الذي ربما كانت تحاول بناءه معك.”
أضاف “ياسر” بجدية: “لا تخلط بين احتياجها للحب والرعاية وبين رغبة حقيقية في الأذى. ربما كانت تبحث عن شخص قوي يحميها، لكنك استغلت هذا الاحتياج بطريقة خاطئة ومدمرة. عليك أن تفهم الفرق الشاسع بين قوة الحماية وعنف التسلط.”
هز “أحمد” رأسه بنفي عنيف، وعيناه تفيضان بدموع الندم: “لا يا صغيرتي… أنتِ تستحقين كل الخير، وكل شيء جميل في هذا العالم. ولكن أنا… أنا وغد، وغبي، وأستحق كل اللوم. أقسم لكِ أنني خفت بشدة عندما قررتِ الذهاب… أقسم…”
قاطعته “ديما” بصوت واهن لكنه يحمل مرارة: “لا تقسم يا أحمد. منذ الصباح وأنت تفتعل المشاكل، وتعاملني بقسوة وإهانة.”
تسرع “أحمد” بالرد، وكأنه يتعلق بقشة: “أقسم لكِ أنني كنت أراوغ… كنت أريد أن أرى ردة فعلكِ، أن أتأكد من مشاعركِ. وأقسم لكِ أنني كنت أجهز لكتب كتابنا. إذا لم تصدقيني، انتظري فقط للساعة الرابعة مساءً، عندما يحضر الشيخ والشهود. أرجوكِ يا ملاكي… فرصة واحدة فقط.”
ارتسمت على وجه “ديما” ملامح تفكير عميق، وهي تربط خيوط الأفكار المتناثرة في ذهنها. كلمات الطبيب عن حاجتها للحنان والاهتمام، خوفها العميق من فقدان “أحمد” الذي اعترفت به لنفسها، وشعورها بالندم المرير على تجاوزها كل الحدود معه… كل ذلك اجتمع ليصنع قرارًا مترددًا في قلبها المجروح.
عاد وجلس بجانبها، يتوسل إليها بنبرة خافتة أن تأكل قليلًا. بدأ بإطعامها بملعقة صغيرة، لكن “ديما” كانت تتمنع، تمضغ الطعام ببطء شديد، وكأنها تتعمد استنزاف صبره. رغم جوعها الحقيقي، كانت تستمتع بمشاهدة قلقه وتوتره. استمر “أحمد” في محاولاته الدؤوبة، يلح عليها بلطف حتى تمكنت من تناول كمية جيدة من الفواكه وشربت العصير حتى آخر قطرة.
عندما انتهت، انحنى “أحمد” ليقبل شفتيها برقة، لكن “ديما” أدارت وجهها عنه ببرود، ثم حاولت أن تنهض من السرير، وكأنها تستجمع قواها للرحيل.
تظاهرت “ديما” بأن قدمها تؤلمها، وأطلقت أنينًا خافتًا. انحنى “أحمد” على الفور، أمسك قدمها برفق بالغ، وقبلها عدة قبلات متتالية، وكأنه يتوسل الصفح من عضو جرح بسببه. “ماذا تريدين يا عمري؟ استريحي، أنا أحضر لكِ كل شيء.”
أجابت “ديما” بصوت ضعيف: “أريد أن أذهب إلى الحمام.”
حملها “أحمد” بعناية فائقة، وسار بها إلى الحمام، ينتظر بصبر حتى انتهت. ساعدها لتغسل يديها برفق، ثم حملها مجددًا إلى غرفة النوم.
“أريد أن أنام”، قالت “ديما” بنبرة مرهقة.
رد “أحمد” بلهفة وخوف: “ولكن بقيت ساعة على قدوم الشيخ!”
نظرت إليه “ديما” ببرود يخفي وراءه عاصفة من المشاعر: “وهل تظن حقًا أنني أقبل الزواج بك بعد كل ما فعلته؟”
خيمت خيبة أمل ثقيلة على وجه “أحمد”. أدخلها غرفة النوم، ووضعها برفق على السرير، ثم غطاها بعناية وقبل جبينها قبلة حانية. حاول أن ينهض، لكن يد “ديما” أمسكت بذراعه بضعف.
“ابقَ بجانبي… فأنا خائفة.”
ارتسم شبح ابتسامة باهتة على وجه “أحمد”، امتزج فيها الألم بالأمل. انزلق بجانبها على السرير، يضمها بحذر، وقلبه يخفق بين الخوف والرجاء.
ظل “أحمد” ملازمًا لفراش “ديما”، لكن عينيه كانتا زائغتين، تنظران إلى شاشة هاتفه بين الحين والآخر، بينما أصابعه تتحرك بخفة تكتب رسائل لشخص ما. بدا عليه التوتر والقلق واضحًا، حركات عصبية لا تكاد تخفى.
“أريد أن أشرب”، همست “ديما” بصوت خافت.
انتفض “أحمد” فزعًا، وترك هاتفه ملقى على السرير، مسرعًا ليحضر لها الماء. وبينما كان يملأ الكوب في المطبخ، امتدت يد “ديما” المترددة نحو الهاتف. فتحت الشاشة التي لم تُغلق تمامًا، ووقعت عيناها على آخر محادثة بين “أحمد” والدكتور “ياسر”. قرأت كلماته المذعورة: “أرجوك ساعدني… تريد أن تذهب… إذا ذهبت سأخسرها للأبد.”


