ليالي بيروت المشتعلة : الخاضعة ديما

ليالي بيروت المشتعلة الفصل الثامن والعشرون

ليالي بيروت المشتعلة : شبح الخيانه وكشف الأسرار

جلس أحمد على الأريكة وجذب ديما لتجلس بجانبه. لم يتحدثا للحظات، لكن دفء جسديهما المتجاورين كان بمثابة مرهم مؤقت لروحهما المتعبة. وضعت ديما رأسها على كتفه، وشعرت بدقات قلبه

المنتظمة تخفف من وطأة قلقها.

“كان يومًا سيئًا في الشركة.” بدأ أحمد أخيرًا بصوت خفيض، وكأنه يزيح عبئًا ثقيلاً عن صدره. “أحد الموظفين… اكتشفت أنه كان يسرب معلومات مهمة عن تصاميمنا للمنافس الأكبر لنا في السوق.”

استمعت ديما بإنصات، تربت على ذراعه برفق. “هل عرفت من الفاعل؟” سألت بهدوء.

“نعم.” أجاب أحمد بمرارة. “لكني تظاهرت بأنني لا أعرف. سأراقب تصرفاته عن كثب.” قبلته ديما برقة على خده. “يجب أن تعرف السبب أيضًا، حبيبي. كي لا تتكرر هذه المشكلة مع موظف آخر.”

تنهد أحمد. “أعلم صغيرتي. لكن لا يوجد سبب منطقي يجعلهم يخونونني.”

“الخيانة ليست بالضرورة أن تكون نقصًا فيك.” قالت ديما بحنان. “بل قد تكون بسبب نقص في الطرف الآخر… طمع، غيرة، يأس.”

تأمل أحمد كلماتها للحظة.

“معك حق صغيرتي. لكنني سأعلم السبب الذي جعل هذا الموظف بالذات يخونني.”

“متأكدة أنك ستعلم بأقرب وقت.” أجابت ديما بثقة. ضمها أحمد إلى صدره وقبل رأسها. “هل ما زلتِ تتألمين؟” سأل بنبرة قلقة وهو ينظر إلى علامات ملكيته الباهتة على جسدها.

“لا حبيبي.” طمأنته ديما بابتسامة رقيقة. قبل أحمد تلك العلامات برفق، ثم حملها بين ذراعيه وصعد بها إلى غرفة النوم. وضعها بلطف على السرير، واستلقى بجانبها وهو يحتضنها، يمرر أصابعه برفق

بين خصلات شعرها الناعم. صمت هادئ خيم على الغرفة، يلفهما بدفء وراحة بعد عاصفة اليوم.

مع بزوغ فجر يوم جديد، استيقظت ديما وعيناها تتجهان مباشرة نحو أحمد النائم بجانبها. تأملت ملامح وجهه الوسيم، خطوط فكه الحادة ورموشه الكثيفة التي تستقر بهدوء على وجنتيه.

كانت تشعر بامتنان عميق لوجوده في حياتها، سيدها ومعشوقها في آن واحد.

“صباح الخير.” همست ديما بصوت ناعم وهي تلامس خده برفق.

فتح أحمد عينيه ببطء، ورسمت ابتسامة دافئة على شفتيه عندما رأى وجهها المشرق. “صباح الخير يا حوريتي.” قبلها برقة على شفتيها.

“متى استيقظت؟” سألته ديما وهي تتكىء على مرفقها لتنظر إليه بتمعن.

“منذ قليل.” أجاب أحمد وهو يداعب خصلة من شعرها. ثم تابع بنبرة عملية: “هيا صغيرتي، سنذهب إلى الجامعة. اليوم لديك العديد من المحاضرات وأنا سأذهب إلى الشركة.”

“خذني معك.” طلبت ديما بنبرة طفولية.

هز أحمد رأسه بنفي لطيف. “لا صغيرتي. يجب أن تنهي محاضراتكِ. لا أريد أن يتراجع مستواكِ الدراسي. اوعديني بذلك.”

نظرت إليه ديما بعينين عاشقتين ثم ابتسمت بخضوع. “حسنًا حبيبي، أعدك.”

نهض أحمد من السرير وتوجه نحو خزانة ملابس ديما. بدأ ينتقي لها بعناية القطع التي سترتديها اليوم. اختار بلوزة قصيرة باللون التوتي الجذاب، تبرز جمال  خصرها، مع تنورة أنيقة من نفس اللون، يصل طرف البلوزة تمامًا إلى حافة التنورة.

أكمل إطلالتها بحذاء كعب عالٍ باللون الأسود الأنيق وحقيبة يد صغيرة من نفس اللون، لتتناسب مع باقي ملابسها. كانت اختياراته دائمًا تعكس ذوقه الرفيع وحرصه على أناقتها.

ارتدى أحمد بدلته الرسمية السوداء الأنيقة، ونسق معها قميصًا أبيضًا ناصعًا. خرجا معًا من الشقة وتوجها إلى الجامعة. وصلا قبل موعد المحاضرات، فأدخلها أحمد إلى الكافتريا لتناول وجبة الإفطار الخفيفة. جلست ديما على إحدى الطاولات بينما ذهب أحمد لطلب بعض الفطائر والعصائر.

في هذه الأثناء، وصل إلى هاتف ديما إشعار بوصول مكالمة من رقم غريب. تجاهلت ديما المكالمة الأولى، لكن الهاتف رن مرة أخرى، وكان نفس الرقم المتصل. ترددت للحظة ثم أجابت.

كان أحمد قد وصل للتو بالطعام، لكن فضوله دفعه للتوقف والاستماع إلى المكالمة من خلال البرامج التي كان قد ثبتها على جهازها مسبقًا.

كان المتصل هو شخص كان يكن لديما مشاعر قوية قبل سنوات، ويحاول الآن استئناف علاقتهما. لكن ديما رفضت عرضه بلباقة وحزم، وأخبرته بأنها متزوجة وسعيدة بحياتها.

استمع أحمد إلى ردها بابتسامة رضا خفية، معجبًا بصدقها وولائها.

بعد أن طلب أحمد من أحد معارفه التحقق من هوية المتصل، عاد إلى ديما وهو يأمل أن تشاركه تفاصيل المكالمة. لاحظ علامات الحيرة والتردد على وجهها. “هل يوجد مشكلة ما؟” سألها بنبرة هادئة.

“لا…” أجابت ديما بتردد، وتجنبت النظر في عينيه.

شعر أحمد بالغضب . لماذا تخفي عنه ديما المكالمة؟ ولماذا تكذب بشأن عدم وجود مشكلة؟ لم يكن هناك أي سبب يدعوها للتصرف بهذه الطريقة.

أجبرها على تناول القليل من الطعام رغم شرود ذهنها، ثم حان موعد محاضراتها. رافقها إلى باب القاعة، وشدد عليها أنه سيأتي لاصطحابها بعد انتهاء دوامه في الشركة.

صعد أحمد إلى سيارته الـ BMW الفاخرة وانطلق بها مسرعًا نحو الشركة. وبينما كان يقود، رن هاتفه. كان المتصل هو الشخص الذي كلفه بالتحري عن هوية المتصل بديما صباحًا.

وما أن استمع إلى الاسم، حتى تجمدت الدماء في عروقه. كان هو نفسه الموظف الخائن الذي سرب تصاميمهم السرية للمنافس الأكبر.

الغضب تملك منه بالكامل، مزيج من خيانة الأمانة والكذب الذي مارسته ديما عليه.

انقبض قلبه بوخز حاد. فكرة أن هذا الخائن تجرأ على الاتصال بصغيرته، وأنها أخبرته بأنها متزوجة، أشعلت فيه نارًا من الغضب والقلق. ماذا لو عرف هذا الوغد أنها زوجته بالسر؟ ماذا لو حاول

إيذاءها انتقامًا لرفضها؟ تسارعت أنفاس أحمد، وقبضته على عجلة القيادة تزداد قوة.

لم يكن غاضبًا من ديما فقط، بل كان خائفاً عليها . يجب أن يحميها، يجب أن يعرف نوايا هذا الحقير.

فورًا، ضغط أحمد على زر الاتصال السريع بحارسه الشخصي. “أرسل فريق حراسة فورًا إلى جامعة ديما. أريدهم أن يكونوا قريبين منها، يتأكدون من سلامتها دون أن يلفتوا انتباهها.

أي شخص يحاول الاقتراب منها بشكل مريب، تعاملوا معه بحذر.” أنهى المكالمة بسرعة، وقلبه لا يزال يعتصره القلق، لكنه شعر براحة طفيفة لعلمه بوجود من يحرسها.

حاول أحمد أن يركز على عمله المتراكم في الشركة، لكن أفكاره كانت مشتتة. صورة ديما تتردد في ذهنه، وقلق بشأن نوايا ذلك الموظف الخائن يلاحقه. كان يعد الدقائق حتى يحين موعد عودتها إلى

المنزل، حيث ستكون بأمان تحت ناظريه.

عندما حانت الساعة الرابعة، انطلق أحمد بسيارته مسرعًا نحو الجامعة، ليصطحب صغيرته. كان الغضب يتأجج في صدره بسبب إخفائها المكالمة عنه وكذبها، لكن خوفه عليها كان يضاهي غضبه.

عندما رآها تخرج من باب الجامعة، اندفع نحوها وقبلها بلهفة وقلق، وتبادلته ديما القبلة بحب. استأنفا طريقهما نحو المنزل، لكن أحمد لاحظ صمتها المريب. “ما بكِ؟” سألها بنبرة قلقة.

أجابت ديما بصوت خفيض: “لاشيء… رأسي يؤلمني قليلاً.”

أوقف أحمد السيارة أمام إحدى الصيدليات القريبة. “سأحضر لكِ مسكنًا لوجع الرأس.” عاد بعد قليل ومعه الدواء، ثم أشار إلى مطعم فاخر قريب. “سنتناول العشاء في هذا المطعم أولًا، ثم تأخذين الدواء.”

دخلا المطعم الفاخر وجلسا على طاولة هادئة. ساد بينهما صمت ثقيل أثناء تناول الطعام. كان أحمد يراقب ديما بنظرات متفحصة، يلاحظ شرود ذهنها وملامح الحزن التي تخيم على وجهها رغم

محاولتها إخفاء ذلك. لم يكن صمتها طبيعيًا، وهذا زاد من قلقه وغضبه المكبوت. كان يريد أن تعرف أنه علم بمكالمتها، لكنه كان ينتظر اللحظة المناسبة ليواجهها.

“صغيرتي، ما بكِ؟” سأل أحمد بإصرار، صوته يحمل قلقًا حقيقيًا. “منذ الصباح وأنتِ حزينة وقلقة.”

رفعت ديما عينيها إليه، وبدت فيهما نظرة خوف عميق. “هل يمكن أن تتخلى عني… أو تتركني لأي سبب؟”

“بالطبع لا!” أجاب أحمد بحدة قاطعة. “أنتِ زوجتي.”

“ولكن… لا أحد يعلم.” همست ديما بصوت خفيض. “وأنت نبهتني… يجب أن لا أخبر أحد.”

“صغيرتي، لن أتخلى عنكِ أبدًا.” قال أحمد وهو يمسك بيدها ويضغط عليها برفق. “وعندما تتخرجين، سأتزوجكِ أمام الجميع. أعرف أن أهلكِ قد لا يوافقون على زواجكِ في هذا السن…”

“لماذا سألتني هذا السؤال؟” أضاف أحمد بنبرة هادئة لكنها تحمل إصرارًا خفيًا، محاولًا دفعها للاعتراف بما حدث في الصباح.

“مجرد سؤال…” تمتمت ديما وهي تحاول سحب يدها.

“صغيرتي، إياكِ والكذب.” قال أحمد بجدية، وعيناه تثبتان على عينيها مباشرة.

“أخبرتُ أحدًا أنني تزوجت…” اعترفت ديما بصوت مرتعش، وتجنبت نظرات أحمد الثاقبة. “ولكن لم أخبره عن هويتك.”

“من هو؟” سأل أحمد بنبرة حادة، لم يستطع إخفاء حدة غضبه وقلقه.

“شخص غير مهم…” أجابت ديما بسرعة، محاولة التقليل من شأن الأمر.

“إذًا، لماذا هذا القلق، صغيرتي؟” قال أحمد بنبرة لا تخلو من الشك، وهو يراقب تعابير وجهها المضطربة.

“لاشيء…” كررت ديما بصوت خفيض، لكن ارتباكها كان واضحًا. أكمل الاثنان طعامهما في صمت ثقيل، ثم أعطاها أحمد المسكن. بدلًا من التوجه نحو شقتهما المعتادة، سلك طريقًا آخر، متجهًا إلى

شقة مختلفة لم تزرها ديما من قبل.

“لماذا نحن هنا؟” سألت ديما بفضول وهي تنظر حولها في الشقة الجديدة.

“منزلي الآخر.” أجاب أحمد بابتسامة غامضة. “أحلى من الشقة القديمة بأضعاف، ومصمم بطريقة مختلفة وغريبة.” بدأت ديما تستكشف المكان بفضول متزايد، تتفحص الديكورات الفريدة والتحف النادرة.

بينما كانت منشغلة بالاستكشاف، تعمد أحمد التقاط هاتفها الموضوع على إحدى الطاولات. لاحظ ببرود أنها لم تحذف سجل المكالمات. فتح السجل بسرعة، ووجد الرقم المجهول الذي اتصل بها صباحًا ما زال موجودًا.

نظر إليها بحدة وسألها بنبرة حازمة: “من هذا الرقم؟”